فصل: قال ابن عطية في الآيتين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا هم ولا يشرب الكفار.
إذن فلو أنه منزل أنزله الله لرسوله لما جرؤ أحد على الكلام؛ لأن لله علمًا آخر لا نعلمه، فنحن ببشريتنا لنا علم محدود؛ والله له علم بلا نهاية. وكذلك في مسألة الأسرى؛ لم يكن فيها حكم قد نزل من الله. ولذلك استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته، وكان أمامه رأي فيه شدة لعمر بن الخطاب ومعه عبد الله بن رواحة، ورأي لين يخالف الرأي السابق وكان لسيدنا أبي بكر الصديق.
وكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز ما قاله الفريقان؛ فريق اللين بقيادة أبي بكر رضي الله عنه وفريق الشدة بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم مال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي الفداء. وجعل فدية الواحد من ألف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وكان في الأسر العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع النبي أنينه من قيده فقال: فكوا عنه قيده. وفسر بعض الناس هذا على أنه ميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه، ولكنه كان ردا على جميل فعله العباس في بيعة العقبة؛ حينما حضر وفد من أهل المدينة إلى مكة ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام.
وقد حضر العباس هذه البيعة، وكان أول من تكلم فيه رغم أنه كان ما زال على دين قومه. فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج.. خزرجها وأوسها. قال العباس: إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة من بلده، أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده إذن فالعباس قد وقف موقفًا لابد أن يجازى بمثله، ورغم أنه كان كافرًا وقتئذ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف بمثله؛ لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86].
فلا يؤخذ هذا التصرف- إذن- على أنه مجاملة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه، ولكنها حق على رسول الله من موقف العباس في بيعة العقبة.
وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به. أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك. وكان المسلمون قد أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة، فقال العباس: يا رسول الله احسبها لي في فدائي، فقال الرسول: لا، ذلك شيء أعطاناه الله عز وجل منك. قال العباس: فإنه ليس لي مال. لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشًا، فضحك النبي وقال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا؛ فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا. قال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف لكل منهم.
إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير العادي كفدية. ثم ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوج ابنته زينب وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته زينب، أسرة خراش بن الصمة، فلما بعثت قريش في فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص وأخيه عمرو ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها الذي لها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم. ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعة، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز. اهـ.

.قال ابن عطية في الآيتين:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}
قوله: {حرض} معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت حرص بالصاد غير منقوطة والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء، وقالت فرقة من المفسرين: المعنى حرض على القتال حتى يبين لك فيمن تركه أنه حرض.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول غير ملتئم ولا لازم من اللفظ، ونحا إليه الزجّاج، و{القتال} مفترض على المؤمنين بغير هذه الآية، وإنما تضمنت هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بتحريضهم على أمر قد وجب عليهم من غير هذا الموضع، وقوله: {إن يكن} إلى آخر الآية في لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن قوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون} بمنزلة أن يقال إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصبر وكسرت العين من عِشرون لأن نسبة عشرين من عشرة نسبة اثنين من واحد فكما جاء أول اثنين مكسورًا كسرت العين من عِشرين ثم اطرد في جموع أجزاء العشرة، فالمفتوح كأربعة وخمسة وسبعة فتح أول جمعه، والمكسور كستة وتسعة كسر أول جمعه، هذا قول سيبويه، وذهب غيره إلى أن عشرين جمع عشر الإبل وهو وردها للتسع، فلما كان في عشرة وعشرة وعشر ويومان من الثالث جمع ذلك على عشرين، كما قال امرؤ القيس:
ثلاثون شهرًا في ثلاثة أحوال ** لما كان في الثلاثين حول

وحول وبعض الثالث وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ثبوت الواحد للعشرة كان فرضًا من الله عز وجل على المؤمنين ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو النسخ لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي، وفي ضمنه التخفيف، إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف، وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه، ثم حط ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وروي أيضًا هذا عن ابن عباس، قال كثير من المفسرين: وهذا تخفيف لا نسخ إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي، قال مكي: وإنما هو كتخفيف الفطر في السفر وهو لو صام لم يأثم وأجزاه.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحًا من أن يقال نسخ، واعتبر ذلك في صدقة النجوي، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضًا أو ندبًا هو حكم شرعي على كل حال، وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال له نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره، وذكر في ذلك خلافًا.
قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر في ذلك أن النسخ إنما يقال حينئذ على الحكم الأول مقيدًا لا بإطلاق واعتبر ذلك في نسخ الصلاة إلى بيت المقدس، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم {إن يكن منكم مائة} في الموضعين بياء على تذكير العلامة، ورواها خارجة عن نافع.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب المعنى لأن الكائن في تلك المائة إنما هم رجال فذلك في الحمل على المعنى كقوله تعالى: {من جاء بالحسنة له عشر أمثالها} [الأنعام: 160] إذ أمثالها حسنات، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر {إن تكن منكم مائة} في الموضعين على تأنيث العلامة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب اللفظ والمقصد كأنه أراد إن تكن عددها مائة وقرأ أبو عمرو بالياء في صدر الآية وبالتاء في آخرها، ذهب في الأولى إلى مراعاة {يغلبوا} وفي الثانية إلى مراعاة {صابرة} قلا أبو حاتم: وقرأ {إن تكن} بالتاء من فوق منكم {عشرون صابرون} الأعرج وجعلها كلها على ت.
قال القاضي أبو محمد: إلا قوله: {وإن يكن منكم ألف} فإنه لا خلاف في الياء من تحت، قوله: {لا يفقهون} معناه لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون به إلا الغلبة الدنياوية، فهم يخافون إذا صبر لهم، ومن يقاتل ليغلب أو يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدمًا لا محالة، وروى المفضل عن عاصم {وعُلِمَ} بضم العين وكسر اللام على البناء للمفعول، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وابن عمرو والحسن والأعرج وابن القعقاع وقتادة وابن أبي إسحاق {ضُعْفًا} بضم الضاد وسكون العين، وقرأ عاصم وحمزة وشيبة وطلحة {ضَعْفًا} بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم، وقرأ عيسى بن عمر {ضُعُفًا} بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو حاتم: من ضم الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضَّعْف والضُّعْف لغتان بمنزلة الفَقْر والفُقر، حكى الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في المعنى، وقال الثعالبي في كتاب فقه اللغة له: الضَّعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضُّعف بضمها في الجسم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ترده القراءة وذكره أبو غالب بن التياني غير منسوب، وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع أيضًا {ضعفاء} بالجمع كظريف وظرفاء، وحكاها النقاش عن ابن عباس، وقوله: {والله مع الصابرين} لفظ خبر في ضمنه وعد وحض على الصبر، ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر بأنه يغلب. اهـ.

.قال ابن الجوزي في الآيتين:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}
قوله تعالى: {حرِّض المؤمنين على القتال} قال الزجاج: تأويله: حُثَّهم.
وتأويل التحريض في اللغة: أن يحث الإنسان على الشيء حثًا يعلم معه أنه حارض إن تخلف عنه.
والحارض: الذي قد قارب الهلاك.
قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} لفظُ هذا الكلام لفظ الخبر، ومعناه الأمر، والمراد: يقاتلوا مائتين، وكان هذا فرضًا في أول الأمر، ثم نسخ بقوله: {الآن خفف الله عنكم} ففُرض على الرجل أن يثبت لرجلين، فإن زادوا جاز له الفرار.
قال مجاهد: وهذا التشديد كان في يوم بدر.
واتفق القراء على قوله: {إن يكن منكم} فقرءوا {يكن} بالياء، واختلفوا في قوله: {وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفًا}، وفي قوله: {فإن تكن منكم مائةٌ صابرةٌ} فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: بالتاء فيهما.
وقرأهما عاصم وحمزة والكسائي بالياء.
وقرأ أبو عمرو: {يكن منكم مائة يغلبوا} بالياء، {فان تكن منكم مائة صابرة} بالتاء.
قال الزجاج: من أنَّث، فللفظ المائة؛ ومن ذكَّر، فلأن المائة وقعت على عدد مذكر.
وقال أبو علي: من قرأ بالياء، فلأنه أريد منه المذكر، بدليل قوله: {يغلبوا}، وكذلك المائة الصابرة هم رجال، فقرءوها بالياء، لموضع التذكير.
فأما أبو عمرو، فانه لما رأى صفة المائة مؤنثة بقوله: {صابرة} أنث الفعل، ولما رأى {يغلبوا} مذكرًا، ذكّر.
ومعنى الكلام: إن يكن منكم عشرون صابرون يثبتون عند اللقاء، يغلبوا مائتين، لأن المؤمنين يحتسبون أفعالهم، وأهل الشرك يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فإذا صَدَقهم المؤمنون القتال لم يثبتوا؛ وذلك معنى قوله: {لا يفقهون}.
قوله تعالى: {وعلم} وروى المفضل {وعُلم} بضم العين {أن فيكم ضُعفًا} بضم الضاد.
وقرأ عاصم وحمزة: بفتح الضاد.
وكذلك خلافهم في [الروم: 55]، قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم.
قال الزجاج: والمعنى: في القراءتين واحد، يقال: هو الضَّعف والضُّعف، والمَكث والمُكث، والفَقر والفُقر، وفي اللغة كثير من باب فَعْل وفُعْل، والمعنى واحد.
وقرأ أبو جعفر: {وعلمَ أن فيكم ضُعَفَاءَ} على فُعَلاءَ.
فأما قوله: {باذن الله} فهو إعلام بأن الغلبة لا تقع إلا بارادته. اهـ.